تعلق القلب بالله وتفويض الأمر كله إليه: -
الإيمان باسمي الله تعالى "المقدم" يثمر في القلب التعلق بالله وحده، والتوكل عليه سبحانه، لأنه لا مقدم لما أخر، فمهما حاول البشر تقديم شيء لم يرد الله تقديمه، فلن يستطيعوا، وهذا يخلّص القلب من الخوف من المخلوق أو رجائه، لأنه لا يملك تقديم شيء أو تأخيره إلا بإذن الله تعالى وحده. [ولله الأسماء الحسنى/ للجليّل (12/609)]
والإيمان بهذا الاسم الكريم يحمل العبد على السعي في نيل تقديم الله عز وجل له، ولا يُتوَهَّمْ أن المقصود هو التقدم في أمور الدنيا، بل هو التقديم الحقيقي الذي يُثمر نعيمًا أبديًّا.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: «فالعبد سائر لا واقف، فإما إلى فوق، وإما إلى أسفل، إما إلى أمام وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طيٍّ إلى الجنة أو النار، فمُسرع ومُبِطئ، ومتقدم ومتأخر، وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير، وفي السرعة والبطء ﴿ إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴾ [المدثر: 35 -36] ولم يذكر واقفًا، إذ لا منزل بين الجنة والنار، ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة، فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة. فإن قلت: كل مُجِدٍّ في طلب شيء لا بد أن يعرِض له وقفة وفتور، ثم ينهض إلى طلبه، قلت: لا بد من ذلك، ولكن صاحب الوقفة له حالان: إما أن يقف ليُجِمَّ نفْسَه، ويُعِدَّها للسَّير، فهذا وقفته سيرٌ، ولا تضره الوقفة، فإن لكل عمل شِرَّة، ولكل شِرَّة فترة. وإما أن يقف لداعٍ دعاه من ورائه، وجاذب جذبه من خلفه، فإن أجابه أخَّره ولا بد، فإن تداركه الله برحمته، وأطلعه على سبق الركب له وعلى تأخره، نهض نهضة الغضبان الآسف على الانقطاع، ووثب وَجَمَزَ واشتدَّ سعيًا ليلحق الركب، وإن استمر مع داعي التأخر، وأصغى إليه لم يرضَ برده إلى حالته الأولى من الغفلة، وإجابة داعي الهوى، حتى يردَّه إلى أسوأ منها وأنزَلَ دَرَكًا، وهو بمنزلة النكسة الشديدة عقيب الإبلال من المرض، فإنها أخطر منه وأصعب». [المدارج 1/267-268]
المقدَّم من قدَّمه الله ورفعه
إن ميزان التقديم والتأخير، والحب والبغض، والولاء والبراء هو ميزان الله في ذلك كله، لا كما يزن به أكثر الناس اليوم، حين يقدّمون أهل الجاه والمال والرئاسات وغيرها من أعراض الدنيا على غيرهم من أهل الدين والتقوى، وهذا يخالف ميزان الله في التقديم والتأخير، قال الله﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾[الجاثية:٢١]، عن سهل بن سعد قال: «مرّ رجل على رسول الله ﷺ، فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال رجل من أشراف الناس: هذا والله حرِيّ إن خَطَبَ أن يُنكَح، وإن شفع أن يُشفّع، قال: فسكت رسول الله ﷺ، ثم مرّ رجل، فقال له رسول الله ﷺ: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حَرِيّ إن خطب ألا يُنكَح، وإن شَفَعَ ألا يُشَفّع، وإن قال ألا يُسمَع لقوله، فقال رسول الله ﷺ: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا»
الإيمان بحكمة المقدم سبحانه:
فلله الحكمة البالغة في تقديم ما قدّم وتأخير ما أخّر، وأيّ أمر قدّم أو أخّر فإنّما هو بعلم الله تعالى وإرادته وحكمته البالغة، وهذا يشمل كل شيء قدّم أو فضّل على غيره، أو أخّر عنه، ومن ذلك:
تقديم الآجال وتأخيرها
تقديم أو تفضيل بعض الأزمنة والأمكنة على بعضها
تقديم بعض خلقه وتفضيلهم على بعض
تقديم إيجاد شيء على شيء آخر
تقديم عقوبة أقوام وتأخير آخرين
وكذلك فيما يحصل للمؤمن من تقديم أمر لا يحب تقديمه أو تأخير أمر يكره تأخيره، فإن مقتضى هذا الاسم الكريم ومقتضى حكمته سبحانه يجعل المؤمن يرضى ويسلم ويعتقد بأن الخيرة فيما اختاره الله له من تقديم أو تأخير، وقد يكون في ذلك الرحمة واللطف وهو لا يشعر.
الأثر الرابع: محبة الله المقدم:
الإيمان بأنه سبحانه "المقدم" يُثمِر في قلب المؤمن محبة لله وحده، والتعلق به؛ لأنه مهما حاول البشر من تقديم أمر لم يرد الله تقديمه، فلن يستطيعوا، وهذا يجعل القلب يتعلق بمحبة الله؛ لأنه وحده القادر على كل شيء، والنفس بطبيعتها تميل إلى محبة صاحب القدرة والعلم، والله تعالى هو "المقدم" بعلمه وقدرته، لا راد لتقديمه أو تأخيره، ولا معقب لحكمه.
التقدم الحقيقي هو التقدم في الطاعات:
إن التقدم الحقيقي النافع هو التقدم في طاعة الله والوصول إلى رضاه وجنته، ومن لم يحرص على ذلك فهو مذموم متأخر حرم نفسه الخير، قال رسول الله ﷺ: »لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار« وقال ﷺ: »لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا«، وفي كتاب الله: ﴿ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ﴾[آل عمران:١٣٣]
أما التقدم في الدنيا والتأخر عنها فليس بمقياس للتقدم والتأخر؛ ولذا ينبغي للمسلم أن يتوسل إلى ربه سبحانه بهذا الاسم الكريم؛ لنيل التقدّم الحقيقي عنده سبحانه، وترك كل ما يؤخّر عن جنته ومرضاته.
ويكفي السابقين أن جُعِلُوا من المقرّبين، كما قال تعالى:﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾[الواقعة:١٠-١١]، فما من عبد سابق إلى الطاعات إلا فاز بالتقريب من رب البريات، وقال ربنا أيضا﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾[المؤمنون:٦١]، والسابقون في الدنيا إلى الإيمان والأعمال والخيرات هم السابقون في الآخرة لدخول الجنات، وهم المقربون عند الله في جنات النعيم في أعلى عليين، وهم الذين يعطون من أنفسهم مما أمروا به من كل ما يقدرون عليه من صلاة وزكاة، وصيام وحج، وطاعات وأعمال صالحة، ومع هذا قلوبهم وجلة وخائفة عند عرض أعمالها على ربها، والوقوف بين يديه؛ خشية أن تكون أعمالهم غير منجية من عذاب الله؛ لكمال علمهم بربهم، وما يستحقه من أنواع العبادات، السابقون هم أعلى الخلق درجات، وأعلاهم مقامات.
فإذا تيقن المؤمن بأن الله هو "المقدم" فإنه لن يطلب لنفسه جاها أو مالا أو منصبا ليتقدم به، وإنما يتقدم بقربه من ربه، ويحرص أن يقدّم من قدّمه الله.
السعي في الطاعات واجتناب المعاصي:
فعلم العبد بأن الله– تعالى -يقدِّمه إذا أطاع ويؤخِّره إذا عصى، يجعله كرارًا إلى الطاعات، فرارًا عن المعاصي والذنوب، قال –تعالى:﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴾[المدثر: 37]؛ أي: يتقدم في الخير والطاعة، أو يتأخر عنهما فيقع في الشر والمعصية.
دعاء الله المقدم:
ومن علم معنى اسم الله "المقدم" تضرّع لله به، ولقد كان من هدي النبي ﷺ أن يدعو الله بهذا الاسم المشرّف؛ فعن علي بن أبي طالب في وصفه لصلاة النبي ﷺ إذ يقول: »ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت)».
وعن ابن عباس قال: (كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد، قال: »اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض، ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت- أو: لا إله غيرك- قال سفيان: وزاد عبد الكربم أبو أمية: ولا حول ولا قوة إلا بالله»